ما ذنب الصغار ليُبتلَوا بالظلم و القتل و .. ؟
سؤال من أحد المؤمنين أدام الله عزهم :
السلام عليكم و رحمة الله وبركاته شيخنا
سائل يقول : بما أن الله عزوجل متصف بالرحمن الرحيم ومتجل بالعدل المطلق الذي لا يظلم مثقال ذرة يبرز هذا التساؤل الإنساني: كيف يفهم وقوع هذا القدر من الألم على أطفال لم تجر عليهم أقلام التكليف ولم يحاسبوا على ذنب ولم يخيروا في واقعهم ولا في مصائرهم؟ كيف تفهم رحمة الله سبحانه أمام مشاهد أطفالٍ يعذبون حتى الموت، أو يتركون للجوع والعطش والبرد والقصف .. وهم لم يقترفوا خطيئة، ولم يبلغوا سنًّا يُختبر فيه الإيمان؟ ولو كانوا بالغين لقيل: هذا جزاءُ ذنوبهم أو ابتلاءٌ يُمحَّص به المؤمنون، أما الأطفال فبأي ميزان يفهم ألمُهم؟ لم الله يسمح ان يقع الآلم والظلم على طفل بريء، ولا ينقذه منه او ان لايسمح بان يظلم اساسا؟ إن هذا التساؤل لا يصدر عن شك في رحمة الله ولا اعتراض على عدله، بل عن رغبة صادقة في فهم الحكمة الإلهية.
الجواب :
و عليكم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يحتاج الجواب على هذا السؤال إلى تفصيل ليس لدي مجال حاليا للورود فيه و لكن إجمالا : الأطفال ليس لهم ذنب حتى يُعاقبوا و لكن بعض الآلام من طبيعة عالم الطبيعة و المادة حيث أنه عالم التزاحم بين المصالح و المفاسد – و بين الخيرات و الشرور و .. فيحتاج الإنسان إلى تحمل الألم حتى يتكامل أحيانا و حتى ترتفع مناعته فيصبح الجسم قادرا على تحمل ما يتعرض له من الموجودات المجهرية التي خُلقت لمصالح لها بحد ذاتها و للانسان و سائر الموجودات، فنفس وجود الشيء خير للموجود نفسه و قد يوجب وجودُه ألماً لغيره و لكنه سيصبح مقاوما له، و الدنيا لا يكون فيها المصالح و السعادة و اللذائذ الخالصة و إلا لما كانت عالم الطبيعة و المادة و لا عالم التكليف ..
و أما القتل و النهب و القصف و .. فهي من فعل الإنسان المكلف فهو مكلف بأن لا يفعل ذلك و الله تعالى لا يمنعه من ذلك بالإعجاز (بمعنى أنه مختار في الفعل و الترك أو في فعل الخير و الشر تكوينا فليس هناك جبر في شيء من ذلك بل هو قادر بمعنى أن الله تعالى جعله قادرا على فعل ما يريد فيما يتعلق به التكليف و لكنه مطلوب باختيار و فعل الخير و ترك الشر تشريعا و بحسب القانون الشرعي، فليس هناك منعٌ تكويني عن شيء من الفعل و الترك و الخير و الشر، و الإعجاز لا يكون) إلا في موارد خاصة لإثبات أمر ما أو لمصلحة عامة تقتضي صدور أمر مُعْجِز، حيث أنه لا يمكن أن يكون الإنسان مكلفا و مع ذلك يُمنَع من فعل الشر، فالله تعالى جعله في عالمٍ ذي طريقين و هو مختار في أفعاله مُمتَحَنٌ بذلك فهو إما أن يختار الخير أو الشر و مع اختيار الشر إما أن يكون شره شخصيا عائدا إليه نفسه أو واقعا على غيره و ذلك الغير قد يكون صغيرا أو كبيرا و لا فرق في شرّية الشر بين كون من يقع عليه الشر صغيرا أم كبيرا، و الظلم من البشر الذي أعطاه الله القدرة على الفعل و الترك و على فعل الخير و الشر و على إيقاع شره على نفسه و غيره صغيرا كان ذلك الغير أو كبيرا، فالظلم من البشر لا من الله و بما أن العالم عالم الامتحان فلا يصح في عالَم التكليف منعُ الكبار من فعل الشر بسوء اختيارهم و إن أدى ذلك الى ظلم الصغار و الكبار، فبراءة الصغار لا يمنع من ظلم الكبار كما أن من الكبار أيضا من يكون بريئاً و لكنه يُظلَم فليس السؤال خاصا بالصغار بل يشمل الكبار أيضا بل قد وقع أبشع أنواع الظلم على المعصومين صلوات الله عليهم أيضا مع كونهم عليهم السلام معصومين لا يظلمون أحدا و لا يذنبون بل لا يُعقل صدور الظلم و المعصية منهم .. و طبعا سيُثيبهم الله تعالى على تحمُّل المصائب و المصاعب، فهناك تعويض إلهي للصغار و الكبار المظلومين إما بتمحيص ذنوبهم أو بإعطاء الثواب و ترفيع درجاتهم بصبرهم ..
موفقين مسددين
أيوب الجعفري
يوم الجمعة ١٢ ذو الحجة الحرام ١٤٤٧ق
الموافق ٢٩ / ٥ / ٢٠٢٦م