بسم الله الرحمن الرحيم
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وثورة الحسين عليه – الجزء الرابع – :
قلنا أن من أهم العناصر الدخيلة في قيام الإمام الحسين عليه السلام بثورته الغراء التي أدت إلى بقاء الدين وأصبح الحسين عليه السلام – كسائر المعصومين عليهم السلام ، كلٌّ بحسب ظروفه الإجتماعية و السياسية والثقافية التي كان يعيش فيها – العلةَ المُبْقية للإسلام، وبذلك تبين لنا مدى أهمية فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن و لأجل أن يتبيّن لنا فضل هذه الفريضة كان من الضروري أن نرجع إلى مصادر التشريع لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر – مع أننا نتمكن من استنتاج حُسنه إجمالاً من الادلة العقلية – من أحكام الشريعة المقدسة، وأحكامُها كما أسلفنا مبتنية على المصالح و المفاسد الواقعية ومؤدية إلى تحقق أهداف خاصة وقد جعلت الشريعة المقدسة لها مثوبات وآثاراً، فمن يعرف تلك الآثار والمثوبات المترتبة على تلك الأحكام ومنها فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو صاحب الشريعة الذي هو صاحب الخليقة أيضاً وهو الله تعالى، وقد أشرنا إلى بعض الآيات في هذا المجال ..
وبما أن المعصومين عليهم السلام أهلُ بيت الوحي ومعدنُ الرسالة ومختلفُ الملائكة فهم أيضاً يعرفون مدى أهمية تطبيق الأحكام والآثار المترتبة على تطبيقها العملي والثواب الموعود عليه ولهذا يجدر بنا أن نضيف إلى الآيات المشار إليها بعض الأخبار المروية عن أهل بيت العصمة حول أهمية وفضل هذه الفريضة العظيمة والآثار المترتبة على العمل بها فنقول :
* عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام أن رجلاً من خثعم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال : يا رسول الله أخبرني ما أفضل الإسلام، قال: الإيمان بالله، قال : ثم ماذا؟ قال : ثم صلة الرحم، قال : ثم ماذا؟ قال : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال : فقال الرجل : فأي الأعمال أبغض إلى الله؟ قال : الشرك بالله، قال : ثم ماذا؟ قال : قطيعة الرحم، قال : ثم ماذا؟ قال : الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف . الكافي ج ٥ ص ٥٨ باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الحديث ٩ –
فالسؤال عن أفضل ما ورد في الإسلام ويدعو إليه وعن أبغض الأعمال الجوانحية و الجوارحية لدى الله تعالى فأجاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بما يتعلق بالعقيدة والعمل ففي العقيدة أفضل ما يدعو إليه الإسلام هو الإيمان بالله تعالى أي بوجوده وتوحيده و…، ثم ذكر صلة الرحم وبعدها الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد يكون المقصود من صلة الرحم ما يشمل صلة رحم آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما أشار إليه المولى صالح المازندراني في شرح أصول الكافي في شرح الشق الثاني من الحديث الذي يتحدث عن قطيعة الرحم وأنها أبغض الأعمال بعد الشرك، فإذا كان كذلك كان لصلة الرحم والقطيعة ارتباطٌ بالعقيدة مضافاً إلى الحكم الفقهي المتعلق بعلاقة الإنسان بأرحامه و أقاربه نفسه، لأن صلة رحم آل محمد وقطيعتهم صلوات الله عليهم أجمعين يرجع إلى الإيمان بولايتهم وإمامتهم مع مودتهم وأداء سائر حقوقهم، ولهذا قدمت صلة الرحم على الأمر بالمعروف كما قدمت قطيعة الرحم على الأمر بالمنكر لأنه – أي الأمر بالمعروف أو المنكر – متعلق بوظيفة الإنسان في فروع الدين – سواء كان متعلَّقُه من الأصول أو الفروع -، والأصول متقدمة على الفروع، وإذا كان كذلك تبين أن أهم الواجبات المتعلقة بفروع الدين حسب هذه الرواية – وهو مستفاد مي روايات أخرى أيضاً – هو الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسيأتي في محله بيان السبب في كون هذه الفريضة أهم الفرائض إن شاء الله تعالى ..
روايات أخرى :
* قال أبو عبد الله (عليه السلام) : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خلقان من خلق الله فمن نصرهما أعزه الله ومن خذلهما خذله الله . المصدر : الحديث ١١ –
* و عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث طويل ملخصه أن إبليس احتال على عابد من بني إسرائيل حتى ذهب إلى فاجرة يريد الزنا بها، فقالت له إن ترك الذنب أيسر من طلب التوبة، وليس كل من طلب التوبة وجدها، فانصرف وماتت من ليلتها فأصبحت وإذا على بابها مكتوب : احضروا فلانة فإنها من أهل الجنة فارتاب الناس فمكثوا ثلاثا لا يدفنونها ارتيابا في أمرها، فأوحى الله عز وجل إلى نبي من الأنبياء ولا أعلمه الا موسى بن عمران أن ائت فلانة فصلِّ عليها، و مُرِ الناس فليصلوا عليها، فاني قد غفرت لها، وأوجبت لها الجنة بتثبيتها عبدي فلانا عن معصيتي . وسائل الشيعة – طبعة الإسلامية – ج١١ ص ٤٠٣ باب وجوب الأمر بالمعروف ولنهي عن المنكر ..
و لا يخفى أن قولها : “إن ترك الذنب أيسر من طلب التوبة” مندرج في القاعدة العقلائية المعروفة من أن الوقاية خير من العلاج، مضافاً إلى ما نَبّهَتْ عليه بعد ذلك بقولها : “و ليس كل من طلب التوبة وجدها” فللتوبة شروط قد لا تتوفر في طالب التوبةِ والرجوعِ إلى الله تعالى وقد لا يستحق العاصي قبولَ توبته من قِبَل الله تعالى، فلو لم يرتكب المعصية لما كان مأثوماً مستحقاً للعقوبة ليحتاج إلى التوبة – كما في ورد في بعض روايات الشفاعة أن الشفاعة لأهل الكبائر وأما المحسنون فما عليهم سبيل وذلك أن الشفاعة مُتَمِّمُ السبب للدخول في الجنة لأنها بعد وجود المقتضي لدخول الجنة وهو أصل الإيمان ترفع المانع فتتحقق العلة التامة لاستحقاق دخول الجنة ولهذا تسمى بالشفاعة وبيان ذلك يتطلب مجالاً آخر عسى أن نُوَفَّقَ لطرحه ضمن مبحث الشفاعة -، وأضف إلى ذلك أن المعصية توجب ظلمة القلب وحدوث نكتة سوداء فيه كما في الأخبار ومعلوم أن من لم يرتكب المعصية قلبه نيّر لا ظلمة فيه أو أن قلبه أكثر نوراً من قلب العاصي – لأن أنوار القلب المعنوية ذات مراتب حسب مراتب كمال الإنسان المعرفي و العبودي فالمؤمنون غير العصاة أيضاً على درجات – ولهذا فهو أفضل من المذنب التائب وإن كان التائب محبوباً لدى الله تعالى ففي الخبر :” إن الله يحب العبدَ المُفَتَّنَ التوّاب و من لا يكون ذلك منه كان أفضل” .. وعلى أية حال قد دلت الرواية على أن من جملة آثار وبركات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نجاةَ الإنسان من عذاب الله تعالى واستحاقَه للجنة بعد ما كان مستحقاً للنار والعذاب الإلهي ف “إن الحسنات يذهبن السيئات” .. وسنتطرق في الجزء التالي لحكمة هذا الأثر العظيم للقيام بهذه الفريضة إن شاء الله تعالى ..
أيوب الجعفري
ليلة الأحد ٦ محرم الحرام ١٤٤٠ ه ق
الموافق ١٦ / ٩ / ٢٠١٨ م
https://telegram.me/ayoobaljafary