بسم الله الرحمن الرحيم

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وثورة الحسين عليه السلام – الجزء الخامس – :

حكمة اهتمام الأديان الإلهية بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : تبيّن بما سبق مدى اهتمام الأديان الإلهية ولا سيما الشريعة المقدسة الإسلامية بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما سيتبين ذلك فيما سنذكره من الآيات والروايات الذامّةِ لترك هذه الفريضة والمُبَيِّنَةِ لعقاب تاركيها .. و إذا أردنا أن نلخص جميع ما ورد بشأن هذه الفريضة و أهميتها وفضلها كفانا أن ننظر ونتأمل فيما قام به الإمام الحسين عليه السلام وفي كلماته المُبَيِّنة لسبب قيامه بهذه الثورة العظيمة التي أحيت الدين إلى يومنا هذا وستُبقيه – بشكل أو بآخر – إلى ظهور الحجة المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف وإن كان ببقاء نور الإيمان في قلوب منتظريه عجل الله تعالى فرجه الشريف .. فلو تأملنا في ثورة الإمام الحسين عليه السلام وما قدّمه من نفس ونفيس ثم نظرنا إلى كلماته التي تُبَيِّنُ أهداف ثورته وأنه إنما ثار للإصلاح في أمة جده صلى الله عليه وآله وسلم والسير بسيرته وسيرة أبيه أمير المؤمنين صلوات الله عليه وآله وأنه أراد بحركته وثورته الإصلاحية أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ثم تأملنا في شخصية القائم بهذه الفريضة وعرفنا أنه أكمل الناس في عصره ومن جملة الكُمّل المقربين الذين خلق الله تعالى العالم بأكمله وبتمام مراتبه – ابتداءً من عالم المجردات ومروراً بالعوالم المتوسطة ووصولاً إلى عالم المادة والطبيعة – ببركتهم عليهم صلوات المصلين كما يستفاد من كثير من الأحاديث بدلالة واضحة مباشرة أو غير مباشرة ومن جملتها حديث الكساء و .. إذا تأملنا في جميع ذلك تبين لنا بكل وضوح مدى أهمية هذه الفريضة التي ضحّى مَن هو روح عالم الإمكان بنفسه وبكل ما يملك وبأعز الناس و أحبّهم إليه لأجل إحيائها – مضافاً إلى أهدافٍ أخرى تتعلق بعلاقته الخاصة بالله العظيم ومن جملتها ما يستفاد مما نُسب إليه من قوله عليه السلام في يوم عاشوراء : * تركت الخلق طُرّاً في هواكا * وأيتمت العيال لكي أراكا * فلو قطّعتني في الحب إربا * لما مال (حنّ) الفؤاد إلى سواكا . و طبعاً ليس هذا الجانب من ثورته عليه السلام المستنِد إلى كماله الروحاني واستغراقه وفنائه في الله الموجب للبقاء بالله تعالى والذي قال عنه أهل المعرفة بأنه عين السعادة بشهود المبدء المتعالي بعين بصيرته التي قد استولت على تمام وجوده فأصبح بتمام وجوده بصراً وبصيرة لا يشاهد ولا يرى غير محبوبه الحقيقي بجماله وجلاله …، نعم ليس هذا الجانب مَحَطَّ كلامنا في هذا المكتوب المختصر حيث أنه يتطلب مجالاً أوسع مضافاً إلى خروجه عن عهدة مثل هذا العبد الذي لم يعرف نفسه بعدُ ليعرف ربه أو ليكون قد عرف ربه فيعشقه فيفنى فيه فيبقى به فيرجع بعده إلى الخلق فيبين ويتحدث عما شاهده من جمالِ مَن هو عين الكمال وجلالِه أو يتحدث عن الكُمّل الواصلين .. – فما يهمّنا حالياً هو بيان حكمة هذه الاهمية الكبيرة لهذه الفريضة التي قد ضحّى هذا الإنسان العظيم بنفسه التي هي روح عالم الإمكان لإحيائها مضافا إلى ما أشرنا أو لم نُشِر إليه من أهداف عظيمة اخرى؛ فنقول :

يمكن تلخيص أسباب أهمية هذه الفريضة في النقاط التالية :

١ – إنها من التكاليف الإلهية الملقاة على عاتق جميع المكلفين بنحو الوجوب الكفائي، والتكاليف الإلهية يجب الخروج عن عهدتها بامتثالها، فكما أن الصلاة والصوم وغيرهما، من الواجبات والفرائض الإلهية التي يجب علينا إقامتها كذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فمنشأ أهميته هو كونه حكم الله تعالى ونحن عبيده وعباده فيجب علينا بحكم العقل الحاكم قبل الشرع بلزوم طاعته، أن نمتثل أوامره ونواهيه لأنه مالكنا وولي جميع النعم علينا وبيده زمام أمورنا و..

٢ – فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من وسائل الدعوة إلى الله والهداية إلى السعادة والكمال وقد أرسل الله تعالى جميع أنبيائه ونصب جميع أوليائه وأنزل جميع كتبه لأجل الدعوة إلى الله وإلى توحيده ولهداية الناس وسأئر المكلفين من الجن وغيرهم إلى كمالهم وسعادتهم، والله تعالى قد جعل نظام عالم الإمكان مبتنياً على الأسباب والمسببات فالنظام السائد في هذا العالم هو النظام العِلّي والمعلولي ونظام الأسباب والمسببات – بل يمكن القول بأن هذا النظام هو النظام السائد في جميع العوالم وإن اختلفت الأسباب ومسبباتها من عالَم لآخر – فجعل في هذا العالم أسباباً تكوينية وتشريعية موصلة إلى الكمالات وهادية إلى غاية التكوين والتشريع ، وفي البعد التشريعي قد جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أسباب الهداية إلى السعادة والكمال، وإذا قام الإنسان بهذه الفريضة – مع توفر الشروط فيه – أصبح وسيلة من الوسائل الإلهية لهداية الناس إلى السعادة والكمال وبتعبير آخر : إذا قام بهذه الفريضة فقد جعل نفسه – باختياره وإرادته – من وسائط فيض الهداية الربانية وهذا الأمر عظيم للغاية أن يصبح الإنسان وباختياره واسطةَ فيض الهداية الربانية أي وسيلة لتحقيق غاية التكوين والتشريع، وهذا ما يفسر لنا حكمة الثواب العظيم لهداية الناس إلى الدين الحنيف والتوحيد الخالص ففي خبر إرسال النبي صلى الله عليه وآله و سلم علياً عليه السلام إلى اليمن أنه صلوات الله عليه وآله قال لأمير المؤمنين عليه السلام : ” أيم الله لأن يهديَ الله على يديك رجلاً خيرٌ لك مما طلعت عليه الشمس وغربت .. ” – فروع الكافي ج ٥ ص ٢٨ باب وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام في السرايا الحديث ٤ ، ومن المعلوم أن الشمس تطلع على جميع المنظومة الشمسية، هذا إذا قلنا بأن المقصود الشمس الشخصية أي شمس منظومتنا الشمسية وأما إذا قلنا بأن المقصود الشمس النوعية فالشمس تطلع على جميع الكواكب والأقمار الموجودة في ألفي مليار مجرة – حسب ما تم اكتشافه إلى الآن من المجرات بل قد نقل بعض المطلعين من المؤمنين أن ذلك كان قبل عدة سنوات وقد اكتشفوا مؤخرا أن عدد المجرات عشرون ألف مليار أي عشرين تريلون مجرة و العدد في ازدياد – فهداية شخص واحد خير من جميع كواكب وأقمار المنظومة الشمسية أو جميع المنظومات الشمسية الموجودة في السماء الأولى ( إنا زيّنّا السماء الدنيا بمصابيح )، فإذا كانت فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مُحَقِّقَةً لهذا الهدف والغرض (أي هداية الناس إلى الدين الداعي إلى السعادة والكمال) فهي لا محالة من أعظم التكاليف الشرعية الفرعية – المتعلقة بفروع الدين والتي يدعو القائمُ بها إلى أصول الدين وفروعه – وأهمِّها على الإطلاق ..

وهناك وجوه أخرى لأهمية هذه الفريضة واهتمام الشريعة المقدسة بها سنشير إلى واحدة منها في الجزء التالي بعون المعبود جل وعلا ..

وفقنا الله و إياكم للقيام بواجباتنا والعمل بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحق محمد وآله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين ..

أيوب الجعفري

ليلة الثلاثاء ٨ محرم الحرام ١٤٤٠ ه ق
الموافق ١٨ / ٩ / ٢٠١٨ م
https://telegram.me/ayoobaljafary