بسم الله الرحمن الرحيم
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وثورة الحسين عليه السلام – الجزء السادس – :
قلنا أن الشرائع المقدسة الإلهية ولا سيما الشريعة المقدسة الإسلامية قد اهتمت بشكل كبير بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد أشرنا إلى حكمتين من حِكَم هذا الإهتمام، وإليكم ثالثتها :
٣ – نعلم أن النظام السائد على الكون هو النظام العِلّي والمعلولي (نظام الأسباب و المسببات) وليكن معلوماً أيضاً أن الأسباب والمسببات لا تنحصر في الأمور المادية والعوامل الطبيعية بل هناك أسباب تتعلق بما وراء عالم المادة كما أن للأمور المعنوية و العقائد والاعمال الصالحة والطالحة والأخلاق الفاضلة والرذائل أيضاً سببيةً في ترتُّب بعض الآثار في الدنيا أو البرزخ والآخرة أو في جميع تلك العوالم، وتأثير تلك الأسباب قد يكون في الجسم وقد يكون في الروح وقد يكون فيهما كليهما، كما أنه قد يكون في الفرد وقد يكون في المجتمع وقد يكون فيهما كليهما و..
والدليل على وجود علاقة السببية والمسبَّبية بين العقائد والاعمال والأخلاق وبين الأحداث والحوادث والتحوُّلات التي تحدث في جسم الإنسان وروحه، الدليل عليه آيات وروايات كثيرة تدل على نتائج وآثار العقائد والأخلاق والاعمال، وهي كثيرة جداً يلزم التطرق لها وبيانها بالتفصيل في مبحث الذنوب والطاعات وآثارها ولكن ليتبين الأمر نشير إلى بعض الآيات القرآنية الدالة على هذه العلاقة فنقول :
هناك آيات كثيرة قد علّقت نزول الرحمة والنعمة أو العذاب على العقائد والأعمال كقوله تعالى : “و لو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون” – سورة الأعراف : ٩٦، وقوله جل وعلا : “ولو أن اهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفّرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم * ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أُنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم” – سورة المائدة : ٦٥ – ٦٦ ، وقوله عز من قائل : “وأنّا منّا المسلمون ومنّا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشداً * وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطباً * وألّو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءً غدقاً” – سورة الجن : ١٤ – ١٦ ، وقوله جل جلاله : “وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ” – سورة الشورى : ٣٠ ، وقوله عز من قائل : “.. واتقوا الله ويعلمكم الله” – سورة البقرة : ٢٨٢، وقوله تعالى : “.. ومن يتق الله يجعل له مخرجاً * و يرزقه من حيث لا يحتسب ..” – سورة الطلاق : ٢ – ٣؛ وآيات كثيرة أخرى ..
دلت هذه الآيات على أن سبب نزول الخيرات والبركات هو الإيمان والتقوى والعمل الصالح كما أن سبب نزول العذاب في الدنيا وسبب استحقاقه في الآخرة هو الكفر والطغيان وارتكاب المعاصي و..
ومن جهة أخرى : المجتمع ليس وحدةً منفصلة عن الأفراد والأشخاص بل ليس المجتمع إلا الأشخاص والأفراد بوصف اجتماعهم وترابطهم مع سيادة قانون خاص عليهم، فما هو مؤثر في سعادة الفرد أو شقائه مؤثر في سعادة المجتمع وشقائه بل يمكن القول بأن للفرد والمجتمع التأثير والتأثُّر المتبادل في تحقيق السعادة والشقاء .. فكما أن الإنسان المكوَّن من الروح والجسم البرزخي والجسم الطبيعي العنصري ( اللب والقشر وقشر القشر ) يتأثر كل واحد من هذه الأبعاد من وجوده بما يحدث للأبعاد الأخرى كذلك الفرد والمجتمع – ولا سيما المجتمع المبتني على الإيمان – يتأثر كل واحد منهما بالآخر، فسعادة أو شقاء الفرد مؤثر في تحقق سعادة المجتمع أو شقائه وكذلك العكس، وهذا الامر من جملة ما يمكن أن يكون من مقاصد الحديث المشهور عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أن : “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”.. فلارتكاب المعصية من قبل بعض أفراد المجتمع تبعاتٌ وآثارٌ متعددة للمجتمع مضافاً إلى الفرد نفسه من قبيل:
أ – الاستهانة بالذنوب وزوال قبحها : لا ريب أن الذنوب أمور قبيحة عقلاً وشرعاً – قبحها شرعا واضح وأما عقلا فلأن الذنب و العصيان تمرُّدٌ على المولى المالك الحقيقي لجميع ما عالم الوجود و وليّ جميع النعم و.. – والمؤمن بمقتضى إيمانه يكرهها ويكره ارتكابها كما يحب الإيمان والتقوى والعمل الصالح وقد نبّه عليه القرآن الكريم بقوله تعالى : “.. ولكن الله حبّب إليكم الإيمان وزيّنه في قلوبكم وكرّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون” – سورة الحجرات : ٧ – وقوله جل وعلا : “.. لمسجد أُسِّس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه، فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطّهّرين ” – سورة التوبة : ١٠٨ – فالإيمان وطهارة الروح والجسم محبوب للمؤمن كما أن الكفر والفسوق والعصيان مكروه ومبغوض له، ولكن إذا ارتكب أحد ذنباً من الذنوب فسينقص قبح ذلك الذنب في أنظار الآخرين وكلما ازداد ارتكاب الذنب وكثر مرتكبوه أخذ قبحه في التناقص في أنظار الناس إلى أن يزول القبح تماماً فلا يرونه أمراً قبيحاً من الاساس أو أنهم لا يهتمون بوقوعه على أقل تقدير، وهذا أمر مشهود في المجتمعات الإسلامية وغيرها حيث أنها كانت تستقبح بعض الذنوب أو الرذائل – بمعنى أنها كانت بيّنةَ القُبح لديهم – ولكن زال ذلك القبح في أنظارهم بانتشارها فأصبح ارتكابها امراً هيّناً كمسألة حجاب المرأة (والأوضح من ذلك مسألة الغيبة حيث أنها من جملة كبائر المعاصي إلا أننا ولكثرة الابتلاء بها نرى زوال قبحها بكل وضوح فيرتكبها الكثيرون دون أي اكتراث) مع أن ارتكاب المعصية أمر عظيم (كما قال تعالى عن الإفك : “و تحسبونه هيّناً و هو عند الله عظيم) لأن عصيان الله تعالى والتمرد عليه أمر عظيم وقبيح يستقبحه العقل قبل الشرع لكونه تعالى – و كما أشرنا – المالك الحقيقي لجميع من و ما سواه وهو جل جلاله وليَّ جميع النعم مضافاً إلى أنه – أي العصيان – أمر خطير لإيجابه استحقاقَ العقاب والعذاب الذي لا يمكن تحمّله ..
ومن هذا المنطلق يحكم الشرع – بل والعقل أيضاً – بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كي لا يسري ولا يعم بلاء العصيان والطغيان على الله الملك المنان، بمعنى أننا بالقيام بهذه الفريضة نصون أنفسنا وأولادنا عن المعصية التي يستقبحها الشرع والعقل مضافاً إلى صيانة نفس المرتكب للمعصية عن العود إليها ومن تبعاتها، وبذلك نضمن سعادتنا في مجتمع سعيد ..
ب – شمول العذاب للعصاة وغيرهم أحياناً : قد تبين بما أشرنا إليه من أن النظام السائد في العالم هو النظام العِلّي والمعلولي، وأن المعاصي توجب نزول البلايا والعذاب وأحيانا يعم العذاب ويشمل غير العصاة ايضاً و.. وبذلك يتبين ضرورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حيث أننا سنُبتلى بآثار العذاب النازل على العصاة في مجتمعنا “واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ” – سورة الأنفال : ٢٥ – فلا يحق للعاصي الاعتراض على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر والتذرُّع بحريته فيما يفعله لأنه يتجاوز حدود الحرية إلى التعدي على حقوق الآخرين بنزول العذاب على الجميع و…
أضف إلى ذلك ما أشرنا إليه في الحكمة الأولى للإهتمام بهذه الفريضة من أنها من التكاليف الإلهية التي يجب الخروج عن عهدتها فترك العمل بها من المعاصي، وبما أنها من أهم الواجبات والفرائض الإلهية كما سبقت الإشارة إليه فتركها من الكبائر وتاركها مستحق للعذاب والعقاب الإلهي، فشمول العذاب لغير العصاة لا ينحصر بما أشرنا إليه في هذه النقطة من أن العذاب إذا نزل فسيحرق اليابس والأخضر، بل لأجل أن ترك العمل بهذه الفريضة أيضاً عصيان و ذنب آخر، و هذا ما يسوقنا إلى الفصل التالي وهو : “جزاء تاركي فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” حيث تدل الآيات والروايات على ان العذاب لأجل انتشار الفساد لا يشمل العصاة فقط بل يعم غيرهم ممن لا يقوم بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أيضاً وهذا ما سنتطرق له في الجزء التالي بعون المعبود جل و علا ..
أيوب الجعفري
ليلة الخميس ١٠ محرم الحرام ١٤٤٠ ه ق
الموافق ٢٠ / ٩ / ٢٠١٨ م
https://telegram.me/ayoobaljafary